ابراهيم بن عمر البقاعي

213

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

إشارة إلى عظم الزلزال : لَتَدْخُلُنَّ أي بعد هذا دخولا قد تحتم أمره الْمَسْجِدَ أي الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون دخوله إلا بدخول الحرم الْحَرامَ أي الذي أجاره اللّه من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ظالم . ولما كان لا يجب عليه سبحانه وتعالى شيء وإن وعد به ، أشار إلى ذلك بقوله تأديبا لهم أن يقول أحد منهم بعد ذلك : ألم يقل أننا ندخل البيت ونحو ذلك ، ولغيرهم أن يقول : نحن ندخل : إِنْ شاءَ اللَّهُ أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ، حال كونكم آمِنِينَ لا تخشون إلا اللّه منقسمين بحسب التحليق والتقصير إلى قسمين مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ ولعله أشار بصيغة التفعيل إلى أن فاعل الحلق كثير ، وكذا وَمُقَصِّرِينَ غير أن التقديم يفهم أن الأول أكثر . ولما كان الدخول حال الأمن لا يستلزم الأمن بعده قال تعالى : لا تَخافُونَ أي لا يتجدد لكم خوف بعد ذلك إلى أن تدخلوا عليهم عام الفتح قاهرين لهم بالنصر . ولما كان من المعلوم أن سبب هذا الإخبار إحاطة العلم ، فكان التقدير : هذا أمر حق يوثق به غاية الوثوق لأنه إخبار عالم الغيب والشهادة ، صدق سبحانه فيه ، وما ردكم عنه هذه الكرة على هذا الوجه إلا لأمور دبرها وشؤون أحكمها وقدرها ، قال عاطفا على صَدَقَ مسببا عنه أو معللا : فَعَلِمَ أي بسبب ، أو لأنه علم من أسباب الفتح وموانعه وبنائه على الحكمة ما لَمْ تَعْلَمُوا أي أيها الأولياء فَجَعَلَ أي بسبب إحاطة علمه مِنْ دُونِ أي أدنى رتبة من ذلِكَ أي الدخول العظيم في هذا العام فَتْحاً قَرِيباً * يقويكم به من فتح خيبر ووضع الحرب بين العرب بهذا الصلح ، واختلاط بعض الناس بسبب ذلك ببعض ، الموجب لإسلام بشر كثير تتقوون بهم ، فتكون تلك الكثرة والقوة سبب هيبة الكفار المانعة لهم من القتال ، فتقل القتلى رفقا بأهل حرم اللّه تعالى إكراما لهذا النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم عن إغارة قومه وإصابة من عنده من المسلمين المستضعفين من غير علم . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 28 ] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 28 ) ولما أخبر بهذه الأمور الجليلة الدقيقة المبنية على إحاطة العلم ، عللها سبحانه وبين الصدق فيها بقوله تعالى : هُوَ أي وحده الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ أي الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه - صلّى اللّه عليه وسلّم بِالْهُدى الكامل الذي يقتضي أن يستقيم به أكثر الناس ، ولو أنه أخبر بشيء يكون فيه أدنى مقال لم يكن الإرسال بالهدى وَدِينِ الْحَقِّ